عندما تمارس العادة الطائفيّة – المسيحي يستحق مستقبلاً أفضل

   يمكن للأحزاب في الدول أن تطالب بحقوق الفئات التي تمثلها. فالعديد منها أخذ إسم هذه الفئات على غرار العمّال والمحافظين. كما يمكن أن يفهم وجود حزب/مرشح يهتم بمنطقة معيّنة أكثر من البقيّة على اعتبار أنّ أغلب ناخبيه يقطنون في البقعة الجغرافيّة ذاتها. هذا في الحالات الطبيعيّة للدول المنشأة بحسب إرادة شعبها وباستقلالٍ كدح من أجله أجداد الشعب ليحافظوا على اللغة والوطن والهوية والتاريخ والمقتدرات.  ولكن في دولة نتجت عن إطلاق رصاصات في الهواء وقلعتين (بشامون وراشيّا)، ومجموعة أمراء وساسة اتفقوا على تأليف كيان، وخريطة رسمها مستعمرون وعدلها بطريرك من أجل الحفاظ على أعداد طائفة مسيحيّة معيّنة بوجه طائفة مسيحيّة أخرى، فهناك حديثٌ آخر. الحزاب هنا تشكّل حسب معايير أخرى (بفتح الألف). أحزاب طائفيّة تدّعي العلمانيّة، أحزابٌ قاعدتها من لونٍ واحد، تزيّن مجالسها القياديّة برشّة أفراد من طوائف أخرى (باستثناء تلك التي لم تكلف نفسها حتّى أن تفعل ذلك). الأحزاب في لبنان هي بيوت عائليّة، سافر مؤسسيها إلى أوروبا في ثلاثينات القرن الماضي، وقرروا استيراد مفهوم الأحزاب، شكلاً من دون مضمون. وويبدو جلياً تأثرهم بكل الديكتاتوريّات التي وجدت والتي تلت، فالتربة التي كان يعرف عنها أنّها خزان الإمبراطورية الرومانية الغذائي، صارت أكثر خصوبة لتبنّي كل الشعارات العنصريّة ونشرها بين المغتربين. فمن النزعة النازية والفاشستيّة ورفع الأيدي تحيّة للزعيم، والخوف والرهبة من الأمير والإقطاعي والباشا والبيك، إلى التقوقع العربي أو السوري أو المشرقي أو الطائفي، والفهم الخاطئ لأفكار ميشال عفلق، وانطون سعادة، وجمال عبد الناصر. ومن ثمّ التكاليف الإلهيّة والعقائد المضاف إليها والمفعول بها والمجرورة ونسخ للفكرة الصهيونية وشعب الله المختار. (يا أخي ما في الله يختار إلا واحد يعني؟ سحب قرعة؟)  في هذه البقعة التي استحت أكثر أحزابها المتطرفة بالمجاهرة بآرائها الصريحة (وربما لأنّ الإزدواجيّة من الشيم اللبنانيّة). في دولة حوّر بعض أبنائها فكرة محرومي الإمام الصدر إلى حقوق الطائفة الشيعية، ودولة حور بعض أبنائها اشتراكيّة كمال جنبلاط لمصالح طائفة الدروز، ويتشدّق نوابها الحاليين في المطالبة بحصصهم من وظائف الفئة الأولى. في دولة يطالب عونها وحكيمها بحقوق مسيحييها، ويطالب صاحب مفتاح وقفل برلمانها بحق الشيعة، ويسأل حوتها المالي ورئيس وزرائها عن أموال السنّة ويغطي فضائح ابن مفتيها بإطلاق النار السياسي على دكتورة جامعيّة لتحويل الأنظار.   في هذه البقعة، تنتشر أفكار الكو كلوكس كلان العنصريّة ضد الأسود، والإثيوبي والفيلبيني، والسوري والفلسطيني. في هذه البقعة التي ينص دستورها على: " لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية، تقوم على احترام الحريات العامة، وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد، وعلى العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو تفضيل". نعم، في هذه البقعة ترتفع يافطة "جبهة الحرية – القرار المسيحي الحر" لتعلن أنّ المسيحي يستحق مشروعاً واضحاً. نعم يستحق، ولكن ألا يستحق المسلم مستقبلاً واضح أيضاً، وماذا عن العلماني، والملحد؟! لماذا لا يستحق اللبناني عامةً مستقبلا واضح؟   كل مرّة أركب سيارة التاكسي، ألاحظ التالي: لوحة صغيرة تحمل اسم السائق وعنوانه ونوع سيارته ورقم لوحتها. لا يضعون الطائفة. ألاحظ أنّهم يعملون ليل نهار ليعودوا إلى أسرهم بثمن رغيف الخبز، وجرعة الماء، وتكاليف القسط الجامعي، والفواتير التي لا تنتهي. المعاناة لا تفرّق بينهم، ولا الجوع ولا المرض ولا حتّى زحمة السير. لكن يبدو أنّ الجبهة مصرّة على أنّ المسيحي يستحق طريقاً معبداً بإسفلتٍ أفضل، أو حتّى طرقاً خاصة به. لا نبالغ، أميركا (الديمقراطية المزيّفة) منذ أقل من نصف قرن فصلت بين البيض والسود في مقاعد الحافلات. المسيحي يستحق مستقبلاً أفضل، بالفعل أفضل من هذا التمثيل الأعوج.

أسعد ذبيـان

يمكن للأحزاب في الدول أن تطالب بحقوق الفئات التي تمثلها. فالعديد منها أخذ إسم هذه الفئات على غرار العمّال والمحافظين. كما يمكن أن يفهم وجود حزب/مرشح يهتم بمنطقة معيّنة أكثر من البقيّة على اعتبار أنّ أغلب ناخبيه يقطنون في البقعة الجغرافيّة ذاتها. هذا في الحالات الطبيعيّة للدول المنشأة بحسب إرادة شعبها وباستقلالٍ كدح من أجله أجداد الشعب ليحافظوا على اللغة والوطن والهوية والتاريخ والمقتدرات.

ولكن في دولة نتجت عن إطلاق رصاصات في الهواء وقلعتين (بشامون وراشيّا)، ومجموعة أمراء وساسة اتفقوا على تأليف كيان، وخريطة رسمها مستعمرون وعدلها بطريرك من أجل الحفاظ على أعداد طائفة مسيحيّة معيّنة بوجه طائفة مسيحيّة أخرى، فهناك حديثٌ آخر. الحزاب هنا تشكّل حسب معايير أخرى (بفتح الألف). أحزاب طائفيّة تدّعي العلمانيّة، أحزابٌ قاعدتها من لونٍ واحد، تزيّن مجالسها القياديّة برشّة أفراد من طوائف أخرى (باستثناء تلك التي لم تكلف نفسها حتّى أن تفعل ذلك). الأحزاب في لبنان هي بيوت عائليّة، سافر مؤسسيها إلى أوروبا في ثلاثينات القرن الماضي، وقرروا استيراد مفهوم الأحزاب، شكلاً من دون مضمون. وويبدو جلياً تأثرهم بكل الديكتاتوريّات التي وجدت والتي تلت، فالتربة التي كان يعرف عنها أنّها خزان الإمبراطورية الرومانية الغذائي، صارت أكثر خصوبة لتبنّي كل الشعارات العنصريّة ونشرها بين المغتربين. فمن النزعة النازية والفاشستيّة ورفع الأيدي تحيّة للزعيم، والخوف والرهبة من الأمير والإقطاعي والباشا والبيك، إلى التقوقع العربي أو السوري أو المشرقي أو الطائفي، والفهم الخاطئ لأفكار ميشال عفلق، وانطون سعادة، وجمال عبد الناصر. ومن ثمّ التكاليف الإلهيّة والعقائد المضاف إليها والمفعول بها والمجرورة ونسخ للفكرة الصهيونية وشعب الله المختار. (يا أخي ما في الله يختار إلا واحد يعني؟ سحب قرعة؟)

في هذه البقعة التي استحت أكثر أحزابها المتطرفة بالمجاهرة بآرائها الصريحة (وربما لأنّ الإزدواجيّة من الشيم اللبنانيّة). في دولة حوّر بعض أبنائها فكرة محرومي الإمام الصدر إلى حقوق الطائفة الشيعية، ودولة حور بعض أبنائها اشتراكيّة كمال جنبلاط لمصالح طائفة الدروز، ويتشدّق نوابها الحاليين في المطالبة بحصصهم من وظائف الفئة الأولى. في دولة يطالب عونها وحكيمها بحقوق مسيحييها، ويطالب صاحب مفتاح وقفل برلمانها بحق الشيعة، ويسأل حوتها المالي ورئيس وزرائها عن أموال السنّة ويغطي فضائح ابن مفتيها بإطلاق النار السياسي على دكتورة جامعيّة لتحويل الأنظار.

في هذه البقعة، تنتشر أفكار الكو كلوكس كلان العنصريّة ضد الأسود، والإثيوبي والفيلبيني، والسوري والفلسطيني. في هذه البقعة التي ينص دستورها على: ” لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية، تقوم على احترام الحريات العامة، وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد، وعلى العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو تفضيل”. نعم، في هذه البقعة ترتفع يافطة “جبهة الحرية – القرار المسيحي الحر” لتعلن أنّ المسيحي يستحق مشروعاً واضحاً. نعم يستحق، ولكن ألا يستحق المسلم مستقبلاً واضح أيضاً، وماذا عن العلماني، والملحد؟! لماذا لا يستحق اللبناني عامةً مستقبلا واضح؟

كل مرّة أركب سيارة التاكسي، ألاحظ التالي: لوحة صغيرة تحمل اسم السائق وعنوانه ونوع سيارته ورقم لوحتها. لا يضعون الطائفة. ألاحظ أنّهم يعملون ليل نهار ليعودوا إلى أسرهم بثمن رغيف الخبز، وجرعة الماء، وتكاليف القسط الجامعي، والفواتير التي لا تنتهي. المعاناة لا تفرّق بينهم، ولا الجوع ولا المرض ولا حتّى زحمة السير. لكن يبدو أنّ الجبهة مصرّة على أنّ المسيحي يستحق طريقاً معبداً بإسفلتٍ أفضل، أو حتّى طرقاً خاصة به. لا نبالغ، أميركا (الديمقراطية المزيّفة) منذ أقل من نصف قرن فصلت بين البيض والسود في مقاعد الحافلات. المسيحي يستحق مستقبلاً أفضل، بالفعل أفضل من هذا التمثيل الأعوج.

   يمكن للأحزاب في الدول أن تطالب بحقوق الفئات التي تمثلها. فالعديد منها أخذ إسم هذه الفئات على غرار العمّال والمحافظين. كما يمكن أن يفهم وجود حزب/مرشح يهتم بمنطقة معيّنة أكثر من البقيّة على اعتبار أنّ أغلب ناخبيه يقطنون في البقعة الجغرافيّة ذاتها. هذا في الحالات الطبيعيّة للدول المنشأة بحسب إرادة شعبها وباستقلالٍ كدح من أجله أجداد الشعب ليحافظوا على اللغة والوطن والهوية والتاريخ والمقتدرات.  ولكن في دولة نتجت عن إطلاق رصاصات في الهواء وقلعتين (بشامون وراشيّا)، ومجموعة أمراء وساسة اتفقوا على تأليف كيان، وخريطة رسمها مستعمرون وعدلها بطريرك من أجل الحفاظ على أعداد طائفة مسيحيّة معيّنة بوجه طائفة مسيحيّة أخرى، فهناك حديثٌ آخر. الحزاب هنا تشكّل حسب معايير أخرى (بفتح الألف). أحزاب طائفيّة تدّعي العلمانيّة، أحزابٌ قاعدتها من لونٍ واحد، تزيّن مجالسها القياديّة برشّة أفراد من طوائف أخرى (باستثناء تلك التي لم تكلف نفسها حتّى أن تفعل ذلك). الأحزاب في لبنان هي بيوت عائليّة، سافر مؤسسيها إلى أوروبا في ثلاثينات القرن الماضي، وقرروا استيراد مفهوم الأحزاب، شكلاً من دون مضمون. وويبدو جلياً تأثرهم بكل الديكتاتوريّات التي وجدت والتي تلت، فالتربة التي كان يعرف عنها أنّها خزان الإمبراطورية الرومانية الغذائي، صارت أكثر خصوبة لتبنّي كل الشعارات العنصريّة ونشرها بين المغتربين. فمن النزعة النازية والفاشستيّة ورفع الأيدي تحيّة للزعيم، والخوف والرهبة من الأمير والإقطاعي والباشا والبيك، إلى التقوقع العربي أو السوري أو المشرقي أو الطائفي، والفهم الخاطئ لأفكار ميشال عفلق، وانطون سعادة، وجمال عبد الناصر. ومن ثمّ التكاليف الإلهيّة والعقائد المضاف إليها والمفعول بها والمجرورة ونسخ للفكرة الصهيونية وشعب الله المختار. (يا أخي ما في الله يختار إلا واحد يعني؟ سحب قرعة؟)

6 تعليقات على “عندما تمارس العادة الطائفيّة – المسيحي يستحق مستقبلاً أفضل

  1. جوي سليم

    رائع يا إستاذ
    المجتمع المسيحي بعاني من عقدة إسمها عقدة الديناصورات، خائف من الإنقراض (بالضاد).. ودائماً خطابو بيتمحور حول هالموضوع من أصغر تفصيل بالجامعات حتى..
    وزيادة عن هيك.. مصدق إنو هو مميز عن غير طوائف و إنو إلو الفضل بقيام هالكيان ( وحتى لو مظبوط ما بعرف اذا لازم نشكرو او نسبلو)
    وبيحكو عن غبن وناسيين المارونية السياسية كيف كانت مفظعة..
    وصح انو الليرة علمانية والجوع كافر، لا بصلوا ولا بأدنو…
    (شكراً خليتني قش خلقي)

    رد
    1. أسعد ذبيان

      شكراً إنك فشيتي خلقك
      مش بس المسيحي بعاني من عقدة الخوف على الوجود
      فكرة الكيان مبنية على هالأساس كرمال الكل يبقى عم بيفكر بمصالحو الضيقة
      هيدي الأرض ما منعرف قيمتها

      رد
  2. william

    يعني مظبوط ان الاستاذ ذبيان فش خلقكن بس السؤال للشعب اللي مصدق حالو انو منو طائفي ، لو حكي الكاتب عن عقدة المجتمع الشيعي مع السلاح واسطورية مقاتل المقاومة اللي لا يقهر بحماية السماء وعقدة السنة مع العائلية والتبعية من تركيا للسعودية مرورا بعرفات او عبد الناصر للاسد وعقدة الدروز مع البيك كان فش خلقكن ؟ مجتمع معقد والمصيبة انو الكل مفكر حالو علماني !!!

    رد
    1. أسعد ذبيان

      مرحبا ويليام
      ما فهمت بالضبط شو قصدك؟
      إيه أنا كمان معك إنو هودي العالم كمان لازم يتم انتقادهم
      وأنا عملت هيدا الشي
      كمان بوافقك الرأي إنو العديد من الناس مدعي العلمانية إذا حكيتن بيرجعوا طائفيين
      الحل هو بالتصالح مع الذات
      شكراً على مرورك

      رد
  3. جوي سليم

    يا إستاذ ويليام
    أنا بنتمي للمجتمع المسيحي اللي انتقدو أسعد، ما بعتقد هيدي علامة للطائفية
    واللي قلتو مظبوط بالنسبة لغير طوائف، بس بما إنو هيدا المجتمع أنا عايشة فيه، قادرة إنتقدو أكتر من غيرو.
    تحياتي

    رد
  4. william

    يعني يا استاذ ذبيان العلمانية واللاطائفية تأتي كخيار ونتيجة لتطور واحساس جماعي ووعي من القاعدة الى راس الهرم وغالبا ما تكون نتيجة لفترة طويلة من السلم الاهلي وغياب التهديد والاحساس بالغبن لدى الجماعة التي تعتنق مبدأ العلمانية ، وهذا ما حصل في السويد والنروج واغلب اوروبا واميركا اللاتينية
    فلا علمانية مع الفقر والقبلية ، ولا علمانية مع القهر ، ولا علمانية مع اصولية تطرق ابواب الجماعات الضئيلة فتسمع عن اختفاء علمانيي العراق والاردن ومصر وسوريا واقلياتها تحت ضغط الفتاوى القاتلة ومئات ملايين المريدين من افغانستان الى اقصى المغرب
    يا عزيزي مشكلتي ليست في اعتناق ثقافةالانفتاح بل هي في مكان اخر مع اصولية تنظر الي وكاني غلطة تاريخية طارئة وولطخة سوداء في شبه جزيرة طاهرة خالية من كفر وشرك
    فقبل ان ابدأفي جلد الذات وكم نحتاج ذلك ، اسالك عما ينبغي فعله بمن يطلب قتلي وقد اصبح على ابواب بيتي !

    رد

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>